← بيان القيّمة
مقايضات الازدهار
ساعدتني الأشهر الثلاثين الماضية على التفكر بشكل أعمق بشأن الدورة الثانية من ترينالي الشارقة للعمارة التي تأتي بعنوان "جمالية المتغيّر: عمارةالتكيّف". يحيل العنوان إلى الابتكارات التقنية والتصميمية القادمة من الجنوب العالمي، والتي خرجت من رحم الندرة ومحدودية الموارد الطبيعيةالمتاحة. في المقابل، طوّر الشمال العالمي على مدى القرون الأربع الماضية فلسفة خاصة عن الوفرة تستند إلى حجة متفائلة مفادها أن مواردنا الطبيعية، على محدوديتها، تتجدد بلا نهاية. واستناداً على محض أساطير ومعتقدات دينية،[1] وعبر غزو الأراضي واستعباد شعوبها واستنزاف مواردها والانفراد بزمام التقدم التقني، كرس الشمال العالمي الزعم القائل بأن ذريعة الوجود البشري هي التكاثر والسيادة على كل شيء.
زماننا الحالي هو زمان الجائحة والحروب والكوارث البيئية وشمول التصنيع رغباتنا كافة. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية حلّت السوق الحرة محلالنماذج الاستعمارية للتوسع واستنزاف الموارد. وبينما جاءت السوق الحرة بثقافة استهلاكية ترسم وعوداً برخاء يعم الجميع، ظلت آثار ذلك الرخاء محصورة بالجغرافية الاجتماعية لعالم ما قبل الحرب العالمية الثانية، ما فاقم من عمق الانقسام ووطأة اللا مساواة بين الشمال والجنوب.
لا شك في أن تحسن مستويات معيشة البشر وارتفاع متوسطات أعمارهم هي من مكتسبات عصرنا الحالي، إلا أنها أيضاً مكتسبات مهددة فيظل تحديات تغير المناخ التي تلوح في الأفق جراء نقض العهد بين البشر وبيئتهم. تتجلى هشاشة هذا الواقع بشكل مؤلم في الجنوب العالمي، حيثأسهمت الأنظمة والمؤسسات التي أرستها القوى الاستعمارية عبر استنزاف البشر والطبيعة إلى حرمان الجنوب من ثمار التنمية. في هذا الصدد، يُمثل الترينالي جهداً جماعياً لتغيير هذه السردية واستكشاف البيئة المبنية والاحتفاء بالتقاليد المنسية في المنطقة لبناء مستقبل أكثر استدامة وإنصافاً للجميع.
ولا ريب أن الشارقة مكان رائع لاستكشاف هذه الأفكار، فقد عملت الإمارة على تشجيع التفكير النقدي عبر برامجها الداعمة لمبادرات التعليم والفنونوالثقافة والتراث والتي تُسلّط الضوء على التاريخين الحديث والقديم. في هذا السياق، رُمّمت منطقة السوق في المدينة القديمة وأعيدت إلى حالتهاالتي كانت عليها قبل ستينيات القرن الماضي احتفاءاً بنمط معماري قادر على التكيف مع الظروف المناخية القاسية، إلى جانب إبراز العلاقة المهمةبين المشاة والشارع على نقيض مدن المنطقة التي تغلب عليها حركة السيارات. كذلك تُعدّ الشارقة في طليعة المدن التي تحافظ على تراثها المعماري الحديث، ما يضمن الحفاظ على المعالم التراثية والمساحات العامة التي تحفل يومياً بمختلف الأنشطة، ويثري التفكير الإبداعي والأفكار الخلاقة. هذا وتعطينا مواقع العرض الأساسية لترينالي الشارقة—مدرسة القاسمية وسوق الجبيل للخضار، وكلاهما معالم من التراث المعماري الحديث للمدينة—لمحة عن حقبة هامة في تاريخ الإمارات العربية المتحدة.
ساعدنا الموقع الاجتماعي والاقتصادي للشارقة على ربط الأعمال المشاركة بالبيئة المحلية. وبينما نُفكر في أهمية الممارسات التقليدية والتصاميم المحلية—على نقيض التقنية المعولمة التي تتيح لنا الانفصال عن المعارف المادية المحلية—نتساءل عما تعنيه المحلية. عبر تبادل المعرفة، يشجعالترينالي على استكشاف المحلية والخصوصية من وجهات النظر المادية والاجتماعية والاقتصادية والجغرافية. ستكون الشارقة خلفية هذا المعرض وعصبه الفاعل في الوقت ذاته، ما يسمح للمشاركين بطرح ومشاركة الأفكار من خلال تدخلات تم تصميمها خصيصاً للموقع.
مع تطوّر المعرض، صنّفنا الأعمال المشاركة إلى ثلاث توجهات متداخلة:
1.السياق المتجدد يعرض هذا التوجه أعمالاً تعيد التقدير إلى مجتمعات ما قبل التصنيع، حيث عاش البشر في توازن مع الطبيعة. يعيد أصحاب هذه الأعمال التفكير في التقاليد، ويتفاعلون بشكل أشمل مع مفهوم إعادة التدوير، فيبرعون في إعادة استخدام المواد ويقترحون صيغاً لحداثة أكثر رفقاً. تتمثل هذه الحلول بلغة بصرية صريحة تحيل مادة البناء إلى أصلها ومنشأها. يرتسم السياق هنا عبر العلاقات المعمارية بين أجزاء العمل ويقترن بالمعايير الاجتماعية والممارسات اليومية فيُنتج لغة جمالية وفية للسياق المحلي.
2.سياسات الاستخراج يعرض هذا التوجه أعمالاً تركز على العلاقة المتوترة عادةً بين أطر الحوكمة والاقتصاد والبيئة. يُوثّق المشاركون هناالعمليات الاستخراجية التي يرتكز عليها التصميم ويتفاعلون معها. إن اقتصاديات التطوير الحضري والسوق الحرة النهمة للربح والنفايات الهائلة التي تخلفها النزعة الاستهلاكية تشكل مجتمعة خطراً محدقاً ببيئتنا الطبيعية. تُشكّل آثار هذا الخطر أساساً نظرياً للأعمال المعروضة ضمن هذا التوجه، والتي تركز في مجملها على أهمية التوازن المسؤول وتعرض حلولاً إبداعية مرادفة لإيديولوجيات التعويض والتجديد النابعةعن محدودية الموارد الشائعة في المناطق التي أنتجت هذه المشاركات.
3.أبنية غير ملموسة تحتفي هذه المجموعة بالطبيعة سريعة الزوال لتفاعل الحضارة مع الطبيعة. عبر إزاحة الحد الفاصل بين المادي والمعنوي يطرح المشاركون هنا رؤىً تعيد تخيل العالم من جديد وتطرح قضايا الحاضر على بساط البحث، مستلهمين في ذلك قيم الروحانيةوالتعاطف والاكتراث وإنهاء الاستعمار والمستقبلية. يُركّز هذا التوجه على البيني ويرسم سرديات شعرية تنطوي على استجابات موضوعيةقابلة للتنفيذ وصولاً إلى نموذج طوباوي ملهمٍ وبنّاء. انطلاقاً من علاقتهم الوثيقة بالواقع على الأرض، يتتبع المشاركون العمارة غير الملموسةللبنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في مدننا.
يقارب المعماريون والمصممون والفنانون وقادة الفكر حول العالم، ممّن تتوافق ممارساتهم مع ظروف الجنوب العالمي، هذا بازدواجية فريدة. وبفضلدعم المجلس الاستشاري التقييمي، فقد أُتيح لي الاطلاع على مواقع ووجهات نظر ربما كانت لتحول دونها عوامل الجغرافيا واللغة. تم ذلك بمشاركة29 ممارساً من الناشئين والمخضرمين جاء 32% منهم من شبه القارة الأفريقية، و12% من الشرق الأوسط، و12% من أمريكا الجنوبية، بينما توزع الباقون بالتساوي بين أوروبا وأمريكا الشمالية وجنوب شرق آسيا مع تمثيل متوازة للجنسين.
وفي الوقت الذي نتناول فيه مسؤولية خلق التوازن بين البيئة والإنسان، ندرك أيضاً دور هذا المعرض في التأثير على الرأي العام. فبعد حلولالجائحة، أصبح التقشف هو الوضع الطبيعي حول العالم، ما يذكرنا بمدى ترابطنا واعتمادنا جميعاً على النظام العالمي. وواقع الحال أن جزءاً كبيراً من المشهد المعماري اليوم يقوم على وهم الفائض دون وعي بظرفية بقائنا. وبالتالي، هناك ضرورة قصوى لوضع عمليات التدوير والتجديد ضمنأساسيات التعليم والممارسة المعمارية إن أردنا إحداث تغيير منهجي.
لكوننا معماريين علينا أن نأخذ بزمام الأمور نحو مسار مستقبلي بديل يقوم على حلول محورها الإنسان والبيئة . تُعدّ المعارض، على سبيل المثال، موقعاً لإنتاج النفايات والمخلفات بحكم طبيعتها المؤقتة. لذا سعينا قدر الإمكان إلى الحد من ذلك. وعلى الرغم من أن الأعمال المقدّمة ليست محايدةكربونياً، فقد شجعنا المشاركين على النظر في تصميمها وتنفيذها بأقل ما يمكن من النفايات. في هذا الصدد، اعتمدنا في توريد المواد على المصادرالمحلية، ورشدنا استخدام المواد الجديدة مع وضع خطة واضحة وعملية لإعادة استخدامها بعد المعرض، وركزنا على استخدام المواد التي كانت تعتبرفي بادئ الأمر مجرد مخلفات.
يُركّز تصميم معرضنا على إعادة استخدام مواد البناء. فمن خلال توطيد علاقاتنا مع المنطقة الصناعية في الشارقة، تمكّنا من استئجار الموادلاستخدامها في المعرض ومن ثمّ إعادتها إلى مورّديها بعد ذلك. وقد اتبعنا نفس النهج البيئي أثناء تصنيع منتجات الدورة الثانية من ترينالي الشارقةللعمارة، حيث صُنعت الحقائب والقبعات في الشارقة من أقمشة الجينز معاد التدوير والمستورد من مصادر مسؤولة في أوغندا. عندما أطلقتالمؤسّسة هذه المبادرات المسؤولة بيئياً، لم يكن أيّ منا يتصوّر العملية الرائعة والمعقدة التي تترتب على الحصول على الموارد ومعالجتها بهذه الطريقة. فالتعقيد الكامن وراء ما يبدو بسيطاً من الناحية المفاهيمية هو أبعد ما يكون عن ذلك، بل يتطلب تنفيذه سلسلة معقدة من الإجراءات، وقد تبيّن لنا أنالنوايا وحدها لا تكفي، وأن توسيع نطاق مثل هذه المبادرات يجب أن يُفهم من كل أوجهه حتى يُصبح قابلاً للتنفيذ.
يستهدف ترينالي الشارقة للعمارة في دورته الثانية أن يكون معرضاً للعمارة والتصميم المتجدد، حيث يعرض الحلول التي كانت موجودة معنا منذأجيال، بالإضافة إلى الحلول التي تُمثِّل استجابة مدروسة وماسة لمشاكل عالمنا اليوم. تصاحب المعرض مطبوعة بعنوان "ملاحظات ميدانية حولالندرة" تمثل انعكاساً لموضوع الترينالي عبر تساؤل حول "ماهية الاستجابة الفعالة إزاء حالة الندرة؟" جاءت النتيجة في مؤلف يضم 59 صوتاً يطرحون أفكارهم حول هذا التساؤل كلٌ من زاويته.
ما هي الدروس التي يمكن تعلمها من الأنظمة المستقلة ذاتية التنظيم التي تعمل في حدود الموارد الطبيعية المتاحة؟ هل يمكن توسيع نطاق هذه الأنظمة للتعامل مع الكثافة السكانية والحد من انبعاثات الكربون بما يفضي إلى إدارة فعالة للندرة في عموم الكوكب؟ يتعين علينا أن ننظر إلى الكيفية التي تعاملت بها مناطق الجنوب العالمي مع محدودية الموارد كمقترح لتعزيز القدرة الطبيعية لكوكبنا على تحييد التلوث. أين يكمن الخطأ فينظام قيمنا الحالي؟ ولماذا يتعارض مفهومنا عن التقدم مع ما هو طبيعي وتلقائي؟ على سبيل المثال، كيف نفسر تفضيلنا للأسطح الصلبة المصنوعةبدلاً من الأرض الطبيعية أو كيف نفسر هوسنا بتكييف الهواء وتصنيع البلاستيك؟
لا شكّ فيه أن فلسفة الوفرة هي ترف لا نملكه الآن، فقد دفعتنا الثورة الصناعية والتسارع الكبير الذي تلاها إلى استنزاف مواردنا الطبيعية ووضعنا في مسار تصادمي مع التوازن البيئي. لذا من المهم أن نؤكد على ضرورة الذهاب إلى ما هو أبعد من الاعتراف بالخطأ أو الاعتذار عن الماضي منشمال العالم إلى جنوبه، بل يجب علينا عوضاً عن ذلك أن نتحلّى بالعزيمة الجماعية والبنّاءة لإحداث تغيير منهجي في المستقبل. فهذا المعرض لايهدف مطلقاً إلى تلقين الحلول، بل يسعى لتقديم نقطة التقاء تسمح لنا بإعادة التفكير بشكل متفائل وإيجابي في نهجنا الراهن، على أمل أن ينظرلنا التاريخ بعين الرأفة.
[1]الكتاب المقدس، سفر التكوين 1: 26-31 - وباركهم الله وقال لهم: أثمروا واكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدبعلى الأرض.